ابن قتيبة الدينوري

76

عيون الأخبار

والعرب تقول : حملت فلانة سهوا ، إذا حاضت على الحمل . قال الهذليّ ( 1 ) يمدح رجلا : [ كامل ] ومبّرإ من كلّ غبّر حيضة * ورضاع مغيلة وداء معضل ( 2 ) فأعلمك أنها لم تر عليه دم حيض في حملها ، ودلّ على أنه قد يكون . قالوا : فإذا خرج الجنين من الرّحمن دفعت الطبيعة ذلك الدم الذي كان يغتذيه إلى الثّديين ، وهما عضوان ناهدان عصبيّان فغيّراه وجعلاه لبنا . يقول اللَّه عزّ وجلّ : * ( وإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِه مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) * ( 3 ) . قالوا : والإنسان يعيش حيث تحيا النار ويتلف حيث لا تبقى النار . وأصحاب المعادن والحفائر إذا هجموا على نفق في بطن الأرض أو مغارة قدّموا شمعة في طرف قناة فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب ما يريدون وإلَّا أمسكوا . والعرب تتشاءم ببكر ولد الرجل إذا كان ذكرا . وكان قيس بن زهير أزرق بكرا بين بكرين . حدّثني محمد بن عائشة عن حمّاد عن قتادة عن عبد اللَّه بن الحارث بن

--> ( 1 ) هو أبو كبير عامر بن الحليس الهذلي كما ورد في اللسان مادة ( غبر ) وكما في ص 65 من هذا الجزء . وأبو كبير من بني سهل بن هذيل ، شاعر فحل من شعراء الحماسة . قيل : أدرك الإسلام وأسلم ، الأعلام ج 3 ص 250 . ( 2 ) الغبّر : بقية دم الحيض ، وغبّر المرض : بقاياه . والمغيلة : الحبلى أو التي تغشى وهي ترضع ؛ يقال : أغيلت المرأة فهي مغيل . ولقد ورد عجز هذا البيت في لسان العرب هكذا : وفساد مرضعة وداء مغيل وأضاف ابن منظور قائلا : وقوله : ( ومبرّإ ) معطوف على قوله في صدر بيت متقدم في القصيدة وهو : ولقد سريت على الظلام بمغشم . ( 3 ) سورة النحل 16 ، آية 66 . والأنعام : الإبل والبقر والغنم . والعبرة : دلالة على قدرة الخالق وحكمته . نسقيكم مما في بطونه : أي من بعض الأنعام وهو الإناث لأن الذكور لا لبن فيها . في بطونه : أي في بطون بعض الأنعام . والفرث : ما يتبقى في الكرش بعد الهضم . ويقول العارفون : إذا هضمت معدة الحيوان الغذاء طردت الفضلات الضارة إلى الخارج ، وتمتصّ العصارة النافعة ، فتتحول إلى دم يسري في العروق والغدد التي في ضرع الأنثى ، ويصبح لبنا خالصا من رائحة الفرث والدم ولونهما وطعمهما .